حسن الأمين

35

مستدركات أعيان الشيعة

قبضتهم ، وفكروا في تعقب آثارهم ثم انصرفوا عن ذلك . وحط الصوفيون رحالهم في ( بخور سعد ) ومكثوا فيها ينتظرون قدوم القوات التي كانت تلتحق بهم تباعا دونما انقطاع . وفي تلك الأيام حيث كانت جماعات أتباع الصوفية ومريديها يتقاطرون على موكب الشاه إسماعيل وينضمون إليه وقعت حادثة ، يمكن اعتبارها بداية حروب القزلباش وفتوحاتهم وانتصاراتهم . فقد كان أحد زعماء الصوفية الروم واسمه قراجه داغ الياس قادما في جماعة من أتباعه لزيارة الشاه إسماعيل فوصل منطقة تدعى ( شوره [ پل ] گل ) بالقرب من إيروان ، فقرر أن يمضي وأصحابه ليلتهم بالقرب من قلعة ( منتشا بهادر ) . وكان منتشا بهادر قد أحكم قلعته ويزعم أنه يقوم بالحفاظ على أمن الطريق وتامين سلامة القوافل القادمة . فما كاد رصد القلعة يشاهد وصول قافلة الصوفيين حتى أبلغ بهادر الخبر ، فبادر هذا لاستقبالهم وأظهر احترامه لهم وتصوفه وقال لهم : محال أن أرضى بنزول جماعة من الدراويش الأطهار بالقرب من قلعتي ولا أتشرف باستضافتهم . وقد تمكن بهادر من خداعهم وأدخلهم قلعته ثم وزعهم على المنازل فجعل كل مجموعة منهم في منزل وأخلد الصوفيون إلى الراحة . فجمع مضيفهم الغدار أصحابه ودفع إليهم بالسلاح ثم هجم على ضيوفه فجردهم في ظلمة الليل من كل متاعهم وطردهم خارج القلعة . وبعد جهد جهيد أوصل الياس نفسه وأصحابه إلى معسكر الشاه إسماعيل وأبلغه خيانة بهادر ، فاستشاط الشاه إسماعيل غضبا وعزم على السير إليه بنفسه فانتدب خيرة فرسان القزلباش لهذه المهمة وانطلق نحو قلعة بهادر . وبلغ بهادر خبر الهجوم فأدرك ضعفه وعجزه عن المقاومة ، ومن ثم استخلف على القلعة بعض أصحابه وخرج إلى ( شوره [ پل ] گل ) لعله يجد من حاكمها مددا . وكانت الحروب والاضطرابات الداخلية القائمة آنذاك قد شغلت كل حاكم وأمير بنفسه فانصرفوا جميعا للحفاظ على مناطق نفوذهم دون التفكير في نصرة غيرهم . ولم يبادر أبطال الصوفية إلى فتح القلعة بل هاجموا جميع القرى المحيطة بها والتي كانت تسكنها قبيلة ( منتشا بهادر ) فنهبوها وقتلوا من قاوم من أهلها واشتدت قساوتهم في الفتك بهم ، وهرب الكثير من أهل هذه القرى إلى الصحاري وبينما كان الصوفيون في طريق عودتهم إلى مواقعهم التقوا بهؤلاء الهاربين فاعملوا السيف ببعضهم وأسروا آخرين ثم أطلقوا سراحهم بعد أن أخذوا منهم الفدية . ومع حلول الصيف رحل الشاه إسماعيل إلى مصيف أرزنجان وتوقف في ربوعه شهرين توافد عليه خلالهما العديد من الأتباع والمريدين حتى بلغ عدد جيشه خمسة آلاف شخص ، وانضم بعضهم بأهله وبعشيرته إلى المعسكر ومنهم عبدي بيك من قبيلة شاملو فقد انضم بخمسمائة من أبطال عشيرته والشخص الآخر هو خان محمد استاجلو الذي أصبح فيما بعد حاكم ديار بكر وهو من أشجع القادة وأعلمهم . ومن بين القادة الآخرين الذين التحقوا في تلك الأيام بموكب الشاه إسماعيل بيرام بيك القراماني وهو أحد أمراء القرامان ومن الأشخاص الذين رفضوا الاستسلام للعثمانيين بعد احتلالهم لمدينة قونية وسقوط الدولة القرامانية حيث أخذ يتنقل ببضعة آلاف من قبيلته رافضا جميع الوعود التي كان العثمانيون يعدونه بها في حال استسلامه ، وكان مخلصا للعائلة الصفوية فلما بلغته أوامر المرشد الكامل استجاب لها وأسرع نحو مصيف ( أرزنجان ) فتشرف هناك بلقاء شيخ الصفوية ، الذي شمله بالطافه واحترامه . وفي الفترة التي كان فيها الشاه إسماعيل معسكرا في المصيف قدم إليه بعض أهالي المنطقة واشتكوا إليه دبا يضاهي البعير بضخامته والقرد في خفته والنسر في قوته قد قطع الطريق عليهم وقتل العديد من أفرادهم . ولم يكن الشاه إسماعيل آنذاك يتجاوز الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره ، فعزم على الخروج إليه بنفسه ، وحين بلغ مكمنه أمر بعض مرافقيه بنفخ الأبواق وضرب الطبول ليخرجوا الدب إليه ، وبعد هنيهة خرج الدب من فتحة الغار فسدد الملك إسماعيل إلى صدره سهما ألقى به من أعلى الجبل إلى قعر الوادي . فارتفعت أصوات الاستحسان والثناء من حوله وزادت مكانته في نفوس أتباعه . فتح شيروان وفي أواخر أيام الاصطياف جمع الشاه إسماعيل زعماء عسكره لاختبار الوجهة المناسبة التي يبدأ جيش القزلباش تحركه نحوها . اقترح بعض الحاضرين أن يكون التحرك نحو ضفاف الأرس وحدود نخجوان . واقترح البعض الآخر تمضية الشتاء في المناطق الدافئة من آذربايجان أو في بلاد آران حيث ولايتها الرئيسية قراباغ ومناطقها الدافئة والانتظار هناك ريثما يحل فصل الربيع فينظر حينئذ بالأمر . ورأت فئة ثالثة الخروج لقتال قبائل الشركس والهجوم على جبال القفقاز . وظل الجميع يترددون بين هذه الآراء الثلاثة وخرج حسين بيك وخادم بيك من بين الحاضرين وأبلغا الشاه إسماعيل بما